الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
178
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قوله : إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى . ويحتمل أن تكون الجملة تعليلا لكلا الأجلين : الأجل المفاد من قوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ نوح : 1 ] فإن لفظ قَبْلِ يؤذن بأن العذاب موقت بوقت غير بعيد فله أجل مبهم غير بعيد ، والأجل المذكور بقوله : وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فيكون أجل اللّه صادقا على الأجل المسمى وهو أجل كل نفس من القوم . وإضافته إلى اللّه إضافة كشف ، أي الأجل الذي عينه اللّه وقدره لكل أحد . وبهذا تعلم أنه لا تعارض بين قوله : وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وبين قوله : إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ إما لاختلاف المراد بلفظيّ ( الأجل ) في قوله : إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وقوله : إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ ، وإما لاختلاف معنيي المجيء ومعنيي التأخير في قوله : إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ فانفكت جهة التعارض . أما مسألة تأخير الآجال والزيادة في الأعمار والنقص منها وتوحيد الأجل عندنا واضطراب أقوال المعتزلة في هل للإنسان أجل واحد أو أجلان فتلك قضية أخرى ترتبط بأصلين : أصل العلم الإلهي بما سيكون ، وأصل تقدير اللّه للأسباب وترتّب مسبباتها عليها . فأما ما في علم اللّه فلا يتغير قال تعالى : وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ [ فاطر : 11 ] أي في علم اللّه ، والناس لا يطلعون على ما في علم اللّه . وأما وجود الأسباب كلها كأسباب الحياة ، وترتب مسبباتها عليها فيتغير بإيجاد اللّه مغيّرات لم تكن موجودة إكراما لبعض عباده أو إهانة لبعض آخر . وفي الحديث صدقة المرء المسلم تزيد في العمر . وهو حديث حسن مقبول . وعن علي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم من سره أن يمد في عمره فليتق اللّه وليصل رحمه . وسنده جيد . فآجال الأعمار المحددة بالزمان أو بمقدار قوة الأعضاء وتناسب حركاتها قابلة للزيادة والنقص . وآجال العقوبات الإلهية المحددة بحصول الأعمال المعاقب عليها بوقت قصير أو فيه مهلة غير قابلة للتأخير وهي ما صدق قوله : إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ وقد قال اللّه تعالى : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [ الرعد : 39 ] على أظهر التأويلات فيه وما في علم اللّه من ذلك لا يخالف ما يحصل في الخارج . فالذي رغّب نوح قومه فيه هو سبب تأخير آجالهم عند اللّه فلو فعلوه تأخرت آجالهم